أبي طالب المكي
228
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
من الصحابة ومن لا يحصى من التابعين . وقيل لأحمد بن حنبل رضي الله عنهما : ما معنى الاستثناء في الإيمان ؟ قال : أليس الإيمان قولا وعملا ؟ قيل : نعم . قال : فالتصديق بالقول والاستثناء بالعمل . وقال بعض العلماء : أقرب الناس من النفاق من يرى أنه منه بريء . وقال مرة : آمنهم له . وقال عمر مولى عفرة : أقرب الناس إلى النفاق الذي إذا زكَّى بما ليس فيه ارتاح لذلك قلبه ، وأبعد الناس منه من يتخوّف أنه لا ينجيه حقيقة ما هو فيه . وقال بشر بن الحرث : سكون القلب إلى قبول المدح أضرّ عليه من المعاصي . وكان سهل يقول : غفلة العالم السكون إلى الشيء ، وغفلة الجاهل الافتخار بالشيء ، والسكون عندهم من الدعوى ، والدعوى من المعاصي . وقال حذيفة اليوم المنافقون أكثر منهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا إذ ذاك يخفونه وهم اليوم يظهرونه . وقيل للحسن : إنّ قوما يقولون لا نفاق اليوم . فقال : يا ابن أخي لو هلك المنافقون لأستوحشتم في الطرقات . وعنه وعن غيره : لو نبت للمنافقين أذناب ما قدرنا أنّ نطأ على الأرض . وسمع ابن عمر رجلا يطعن على الحجاج فقال : أرأيت لو كان حاضرا بين يديك أكنت تتكلم فيه بما تكلمت الآن ؟ قال : لا . قال : كنا نعد هذا نفاقا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من كان ذا لسانين في الدنيا جعل له لسانان من نار في الآخرة . وفي خبر آخر : شرّ الناس ذو الوجهين يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه . وقيل للحسن إنّ قوما يقولون : لا نخاف النفاق . فقال : والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحبّ إليّ من تلاع الأرض ذهبا . وقال الحسن : إنّ من النفاق اختلاف اللسان والقلب والسرّ والعلانية والمدخل والمخرج . وقال رجل لحذيفة : إني أخاف أن أكون منافقا . فقال : لو كنت منافقا ما خفت أن تكون منافقا ، إنّ المنافق قد أمن النفاق لأن النفاق على ضربين ، نفاق ينقل عن الملة وهو الشك في دين الله تعالى والردّ لشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونفاق لا ينقل عن الملة ولا يخرج عن الإسلام ، ولكنه ينقص الإيمان ويذهب حقيقته ، ويطفئ أنواره ، ويحرم مزيده ، ويحبط الأعمال ، ويوجب المقت والأعراض ، وهو الرياء والمداهنة والتصنّع للخلق والتزيّن بالحق وائتلاف الألسنة واختلاف القلوب وتفاوت القول والعمل ومخالفة الأمر إلى ما ينهي عنه واختلاف السرّ والعلانية وزيادة الظواهر على السرائر ، وهذا المعنى من النفاق الذي خالفه السلف وكانوا منه على إشفاق . وكان سهل يقول : المرائي حقّا الذي يحسن ظاهره ، حتى لا تنكر العامة والعلماء من ظاهره شيئا وباطنه خراب . وقد كان الحسن وأصحابه يسمون أهل البدع منافقين . وكان ابن سيرين وأصحابه يسمونهم خوارج . وقال ابن أبي مليكة : أدركت ثلاثين ومائة . وفي رواية خمسمائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه . وقال مرة : ما